اعتبر تقرير نشره موقع “آي بيبر” أن موجة الهجرة غير النظامية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة تجاوزت كونها أزمة حدودية، لتتحول إلى اختبار سياسي كشف حجم الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، في وقت منح فيه اليمين المتطرف زخما جديدا وفتح المجال أمام خصوم التكتل الأوروبي لاستثمار حالة الانقسام.
وأوضح التقرير أن التدفق الكبير للمهاجرين نحو سبتة، والذي وصف بأنه من أكبر عمليات العبور غير النظامي إلى الاتحاد الأوروبي خلال يوم واحد منذ سنوات، وضع حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز تحت ضغوط سياسية متزايدة، في ظل انتقادات من خصومه الذين حملوه مسؤولية اتباع سياسات أكثر انفتاحا في ملفات الهجرة.
وأشار إلى أن سانشيز تمسك بموقفه الداعي إلى اعتماد مقاربة متوازنة للهجرة، معتبرا أن إسبانيا وأوروبا بحاجة إلى المهاجرين لتعويض النقص المتزايد في اليد العاملة الناتج عن التحولات الديمغرافية، وهو موقف يختلف عن النهج الأكثر تشددا الذي تتبناه حكومات أوروبية عدة.
وأضاف التقرير أن الأزمة أعادت إلى الواجهة ملف الهجرة الذي هيمن على النقاش الأوروبي منذ أزمة اللاجئين عام 2015، بعدما أسفرت أحداث سبتة عن سقوط عشرات الضحايا خلال محاولات العبور، قبل أن تتحول المأساة الإنسانية إلى محور سجال سياسي واسع داخل القارة.
ولفت إلى أن أحزابا يمينية اعتبرت إسبانيا “الحلقة الأضعف” في حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، بينما أثارت تقارير أوروبية شكوكا بشأن احتمال استغلال جهات خارجية للأزمة عبر حملات تضليل إلكترونية هدفت إلى تشجيع المهاجرين على التوجه نحو سبتة باعتبارها بوابة آمنة للوصول إلى أوروبا.
ورغم إعادة معظم المهاجرين إلى المغرب بعد تدخل السلطات الإسبانية، فإن تداعيات الأزمة استمرت على المستوى السياسي، حيث برزت خلافات بين دول الاتحاد الأوروبي بشأن آلية التعامل مع مدريد، وسط انتقادات إسبانية لما اعتبرته غيابا للتضامن الأوروبي مقارنة مع أزمات حدودية سابقة.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة الإسبانية رأت أن بعض الأزمات السابقة، مثل تلك التي شهدتها حدود بولندا مع بيلاروسيا أو حدود فنلندا مع روسيا، حظيت بتعامل أوروبي مختلف، بينما وجدت مدريد نفسها في مواجهة انتقادات بدل الحصول على دعم موحد.
وفي هذا السياق، برزت مواقف متشددة من بعض القادة الأوروبيين، من بينهم رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، التي دعت إلى اتخاذ إجراءات صارمة بحق إسبانيا، في مؤشر على تصاعد نفوذ الخطاب المحافظ والمتشدد داخل أوروبا.
واعتبر التقرير أن الأزمة كشفت أيضا المأزق الذي تواجهه الأحزاب المحافظة التقليدية، إذ تجد نفسها بين مواجهة صعود اليمين المتطرف أو تبني جزء من خطابه للحفاظ على قواعدها الانتخابية، وهو ما يساهم في دفع النقاش السياسي الأوروبي نحو مزيد من التشدد في قضايا الهجرة.
وخلص التقرير إلى أن أزمة سبتة تجاوزت بعدها الإنساني والأمني، لتصبح ساحة للصراع حول الهوية والسيادة ومستقبل المشروع الأوروبي، محذرا من أن استمرار الانقسامات الداخلية قد يمنح القوى الساعية إلى إضعاف الاتحاد الأوروبي فرصا أكبر لتعزيز نفوذها داخل القارة.

