لم تكن زيارة وزير الثقافة والشباب والتواصل، محمد المهدي بنسعيد ونظيرته الفرنسية رشيدة داتي إلى مدينة طرفاية مجرد محطة في أجندة التعاون الثقافي بين الرباط وباريس، بل بدت أشبه برسالة سياسية تحمل أبعادا غير معلنة، تعكس دينامية جديدة في العلاقات الثنائية، خصوصًا في ظل التطورات الأخيرة التي تشهدها قضية الصحراء المغربية.
وفي الوقت الذي أخذت فيه العلاقات المغربية الفرنسية زخما جديدا توج بإعلان فرتسا بتأييد مغربية الصحراء، تأتي هذه الزيارة لتؤكد أن باريس باتت أكثر انفتاحا على تعزيز شراكتها مع الرباط عبر بوابة التنمية الثقافية، وهي مقاربة تنسجم مع التحولات التي شهدتها مواقف دول كبرى مثل إسبانيا وألمانيا خلال السنوات الأخيرة.
اختيار طرفاية كمحطة لهذه الزيارة ليس تفصيلًا عابرًا. فالمدينة التي تحمل إرثًا تاريخيًا مرتبطًا بالمستكشف الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري تمثل نقطة تلاقٍ بين الذاكرة الفرنسية والهوية المغربية الصحراوية، ما يمنح باريس فرصة لتمرير إشارات دعم دون إثارة حساسيات.

ولم يكن ارتداء الوزير المغربي الدراعة الصحراوية التقليدية ونظيرته الفرنسية الملحفة مجرد بادرة بروتوكولية، بل خطوة مدروسة تحمل دلالة واضحة على الاعتراف بجذور الثقافة الصحراوية كجزء أصيل من الهوية المغربية.
ولا تخرج مثل هذه الإيماءات عن سياق الدبلوماسية الثقافية التي تلجأ إليها الدول عندما يكون الموقف السياسي في حاجة إلى إعادة صياغة دون إحداث قطيعة مع مواقف سابقة.
وفي ظل تراجع النفوذ الفرنسي في القارة الإفريقية والتوجه المتزايد لعدد من الدول نحو شراكات جديدة، يبدو أن باريس تدرك أن علاقتها بالمغرب تحتاج إلى إعادة تموقع حقيقي، لا سيما وأن الرباط لم تعد تقبل بمواقف رمادية فيما يتعلق بوحدتها الترابية.
وإذا كانت زيارة وزيرة الثقافة الفرنسية إلى الأقاليم الجنوبية تحمل في ظاهرها بُعدا ثقافيا، فإن حضور السفير الفرنسي خلالها يعكس أبعادا تتجاوز ذلك، حيث يبدو أن باريس تسعى إلى توجيه رسائل غير مباشرة بأن ملف الصحراء المغربية لم يعد نقطة توتر كما كان في السابق، بل ان السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية أصبحت مسلم بها.

الرهان على الثقافة كأداة لتعزيز العلاقات ليس جديدًا في العلاقات المغربية الفرنسية، لكنه يكتسب أهمية خاصة في هذا السياق، حيث تشهد منطقة الصحراء المغربية تحولات تنموية كبيرة مدفوعة بالنموذج التنموي الجديد الذي أطلقته الرباط، والذي بات يجذب اهتمام قوى دولية تسعى إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والثقافي في المنطقة.
فبالنسبة لفرنسا، التي ظلت لسنوات تتجنب اتخاذ موقف واضح بشأن مغربية الصحراء، تبدو هذه الزيارة مؤشرًا على أن باريس باتت مقتنعة بأن تعزيز شراكتها مع المغرب يستلزم الانخراط بوضوح أكبر في دعم وحدته الترابية.
وبقدر ما تبدو هذه الزيارة خطوة دبلوماسية محسوبة، فإنها تعكس أيضًا إدراك المغرب لأهمية استثمار العمق الثقافي في تعزيز موقعه على الساحة الدولية.
فمن خلال إبراز الارتباط التاريخي بين طرفاية وفرنسا عبر شخصية أنطوان دو سانت إكزوبيري، يوجه المغرب رسالة واضحة بأن الصحراء ليست مجرد قضية سياسية، بل فضاء لتلاقح الحضارات والتاريخ المشترك، وهو ما يعزز شرعية سيادته على المنطقة في الأوساط الدولية.

وفي هذا السياق، يمكن اعتبار ارتداء الوزيرين للزي الصحراوي بمثابة تأكيد رمزي على أن الثقافة ليست فقط عنصرًا هوياتيا، بل أيضا أداة دبلوماسية قادرة على خلق إجماع دولي حول مغربية الصحراء دون الحاجة إلى خطابات رسمية مباشرة.
وفي المحصلة، تظل هذه الزيارة جزءا من إعادة ترتيب التوازنات في العلاقات المغربية الفرنسية، حيث تدرك باريس أن الحفاظ على نفوذها في المنطقة يمر عبر شراكة متكافئة مع الرباط، أساسها الاحترام الكامل للثوابت المغربية.
وإذا كانت هذه الزيارة تحمل في ظاهرها طابعًا ثقافيا، فإن جوهرها يؤكد أن الصحراء المغربية لم تعد مجرد ملف سياسي، بل فضاء متكامل للتنمية والانفتاح والتعاون الدولي، وهو ما يضع فرنسا أمام اختبار حقيقي لترجمة هذه الإشارات إلى مواقف عملية في المستقبل القريب.

