لم تخرج الدعوة المغربية الجديدة إلى الجزائر عن السياق الثابت الذي تتبناه الرباط منذ سنوات، لكنها هذه المرة جاءت محملة بكثافة رمزية ووضوح دلالي أكبر، في لحظة إقليمية لا تحتمل المجاز ولا المناورة.
ففي خطاب العرش بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتولي الملك محمد السادس العرش، أعاد العاهل المغربي تثبيت المبدأ الذي لم يتغير منذ أول دعوة مباشرة وجهها سنة 2021، حين قال إن “ما يمس أمن الجزائر يمس أمن المغرب والعكس صحيح”، وأضاف يومها أن المغرب يفتح صفحة جديدة دون شروط، فقط لأن منطق التاريخ والجغرافيا يفرض ذلك.
ولم تكن الدعوة هذه السنة تكرارا لذلك العرض، بل تعميقا له. حيث قال الملك محمد السادس بوضوح: “موقفي واضح وثابت؛ وهو أن الشعب الجزائري شعب شقيق، تجمعه بالشعب المغربي علاقات إنسانية وتاريخية عريقة، وتربطهما أواصر اللغة والدين، والجغرافيا والمصير المشترك”.
هذا المقتطف لم يُسق بوصفه مقدمة عاطفية، بل قُدم كأساس لرؤية سياسية ترى في الجزائر امتدادًا حقيقيًا لا عدوًا ظرفيًا، وفي الشقاق الحالي وضعًا مؤسفًا لا يمكن قبوله كأمر واقع دائم.
فبين خطاب 2021 وخطاب 2025 حافظت الرباط على نفس الخط التصالحي المتماسك. ففي سنة 2022، قال الملك في خطابه: “نؤكد أن المغرب والجزائر أكثر من بلدين جارين، إنهما توأمان متكاملان”. هذه الجملة لم تُنس، بل عادت قوتها ضمنيا في خطاب هذا العام، عندما أكد العاهل المغربي أن “حرصنا الدائم على مد اليد… نابع من إيماننا بوحدة شعوبنا وقدرتنا سويًا على تجاوز هذا الوضع المؤسف”.
ولا يحمل هذا الطرح أي طابع تسووي، بل ينبع من قراءة سيادية ترى أن المبادرة لا تضعف صاحبها، بل تؤسس لمنطق قيادي لا ينتظر اللحاق بل يسبقه. ولهذا، لم يُطرح الحوار مع الجزائر كخطة بديلة أو ورقة ضغط، بل كخيار استراتيجي لا يسقط بالتجاهل، ولا يتقادم بالصمت، ولا يُقاس بميزان رد الفعل.
ولأن الخطاب لم يُبنَ على ردود ولا على تسويات، جاء خاليا من الشروط وممتلئا بالوضوح. حين قال الملك إن المغرب مستعد لحوار “صريح ومسؤول، حوار أخوي وصادق”، لم يكن يعرض وساطة ولا يبحث عن تقاطع سياسي عابر، بل كان يعيد تعريف العلاقة كما ينبغي أن تكون بين بلدين يشكلان العمود الفقري للاستقرار المغاربي.
وحين أضاف أن “الاتحاد المغاربي لن يكون بدون انخراط المغرب والجزائر”، لم يكن ينعى الفكرة بل يربط إنقاذها بمصالحة غير قابلة للتأجيل، لأن أي مشروع اندماجي لا يمكن أن ينهض على أنقاض التجاهل، ولا أن ينجح في غياب القوة المغاربية المشتركة بين الرباط والجزائر.
وفي خلفية هذه الرسائل، لم تغب قضية الصحراء المغربية، لكنها لم تُستعمل كجدار فصل. فالخطاب الملكي وضعها في موضعها الطبيعي: عنوان سيادة لا يقبل التنازل، وإطار سياسي بدأ العالم يلتف حوله. حيث قال الملك: “نعتز بالدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد للنزاع”، وخص بالذكر “المملكة المتحدة وجمهورية البرتغال” باعتبار موقفيهما البناءَين ينسجمان مع التوجه الدولي المتنامي لتبني الطرح المغربي.
لكن الأهم لم يكن في تسمية الدول، بل في الصيغة التي ختم بها هذا المحور حين قال: “نؤكد حرصنا على إيجاد حل توافقي، لا غالب فيه ولا مغلوب، يحفظ ماء وجه جميع الأطراف”. هذا المقتطف يُعد تتويجا لموقف سيادي لا يُفرّط، لكنه لا يُغلق الأبواب، ويعرض طريقا ثالثا لا يقوم على الإذعان ولا على الانكار، بل على الواقعية السياسية وموازين القوة الناعمة.
هكذا صيغ الخطاب، وهكذا قُدّمت الدعوة. ليس من موقع ضعف، ولا من موقع انتظار، بل من موقع من اختار أن يكتب موقفه بنفسه، وأن يعرضه دون وساطة، وأن يتمسك به حتى في غياب التفاعل. المغرب لا يراهن على مبادرة مقابلة، لكنه يراهن على لحظة وعي جزائري تعيد النظر في منطق الإنكار، وتدرك أن اليد الممدودة ليست استثناءً، بل استمرار لخطاب دولة تعرف ما تقول، وتعرف متى وكيف تُقال الكلمات التي تصنع الفارق.

