كيف لبلد يبني نموذجه التنموي، ويعيد ترتيب مكانته في محيطه الافريقي والمتوسطي، ويقود تحولات استراتيجية عابرة للقطاعات، ان يسمح في ذات الوقت بتكريس اعلام ينشر التفاهة، ويشرعن التشهير، وينسف كل ما راكمته فكرة الصحافة من أخلاق ووظيفة ومسؤولية؟
هذا التناقض لم يعد خافيا، بل صار فجّا الى حد الصدمة. في الواجهة: اوراش كبرى، اوراق استراتيجية، استثمارات، دينامية دبلوماسية، تجديد في الخطاب التنموي وفي رؤية الدولة لنفسها.
وفي الخلفية، منصات تمارس العكس تماما: تفسد الذوق، تخلخل القيم، تشرعن الابتذال، وتحول الإعلام الى ما يشبه الفوضى الرمزية التي تنخر الوعي من الداخل.
قضية “قشع قرعة كوكا”، و”كوبل لقاو ملابسهم الداخلية فالثلاجة”، و” إيلا كتاشفتي مرات خوك كتخونو، شنو غادي تديري؟”، ليست طرائف عابرة، بل اشارات قاتمة على منظومة تعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والمعلومة، بين الفرد وكرامته، بين الراي العام ومصادر تشكيله.
انها لا تعكس فقط تدني مستوى التلقي، بل تنتج جمهورا يعتاد على الهتك، ويطلبه، ويتفاعل معه، ثم يتحول الى أداة تدمير جماعية باسم الفضول والمشاركة.
في العمق، لسنا أمام محتوى ترفيهي سخيف. نحن امام الية موازية لاعادة صياغة السلطة الرمزية. منصات تتحرك حين يُراد اسكات صوت، او تشويه صورة، او تفكيك رمزية، كما حدث مع وجوه اعلامية وسياسية وحقوقية دفعت ثمن ظهورها، لا ثمن جرائم موثقة.
منصات التشهير لا تعمل خارج السياق، بل تشتغل داخل هندسة اعلامية ملتبسة، تملأ الفراغ، وتخاطب الغرائز، وتنتج ما يشبه المخدر الجماعي، الذي لا يسكن الالم، بل يعطل الحس، ويحول المواطن إلى مستهلك مشوش، ضاحك وسط الخراب، غير معني الا بمصير الاخرين.
والمفارقة القاتلة، ان كل هذا يجري دون ان يُنظر اليه كخطر بنيوي على النموذج المغربي نفسه. كيف نبني الثقة والمؤسسات والدستور، فيما منصات تدوس قرينة البراءة يوميا؟ كيف نؤمن بسمعة البلد، فيما اسماء اسر مغربية تلوكها الشاشات كسلعة بلا كلفة؟ كيف نحمي الطفولة، فيما الاطفال يُسحبون الى مستنقع العار بسبب منصات لم تتعلم معنى الحرمة؟ كيف نتحدث عن تحصين الجبهة الداخلية، فيما التشهير أصبح عُرفا وطنيا؟
لا يمكن الحديث عن “دولة قوية”، فيما الكاميرا تُستعمل كسلاح ضد الضعفاء، فيما يتم تعويض وظيفة القضاء بهيستيريا الشارع، ويُحول المجتمع إلى فرقة تصفيق للفضائح.
إن أخطر ما في الأمر، ان التشهير لم يعد الاستثناء، بل القاعدة. لم يعد خطأ فرديا، بل وظيفة مقنّعة. لم يعد انزلاقا، بل جزءا من المنظومة.
السكوت هنا لا يعني الحياد، بل التفريط. والضحك على هذا النموذج، لا يعكس قوة المناعة، بل اختلالا عميقا في ادراك الخطر.
المغرب لا يمكن ان يتقدم برجلين: واحدة في اوراش المستقبل، واخرى غارقة في وحل اعلامي يهدم ما تبنيه الدولة نفسها. لان التفاهة ليست هامشا. ولان التشهير ليس خبرا. ولان ما يحدث ليس تافها، بل تهديد روحي واخلاقي وسياسي صامت.
لا نهضة بدون اعلام نزيه. ولا مجتمع متماسك اذا صار جلد الكرامة خبزا يوميا. ولا وطن محترم حين تتحول الساحات الرقمية الى سجون بلا محاكم، وادانة بلا قانون، وفرجة بلا ضمير.
رهانات المغرب اكبر من ان يُقايضها بهذا العبث.


