أكدت فعاليات اقتصادية وخبراء مغاربة وأجانب أن ميناء الداخلة الأطلسي يشكل “نقطة ارتكاز جديدة للسيادة الطاقية المغربية”، ويؤسس لتحول استراتيجي عبر ربطه المباشر بمنظومة الهيدروجين الأخضر وتصدير الأمونياك نحو الأسواق العالمية، في سياق دولي يتسارع نحو الطاقات البديلة ومكافحة التغير المناخي.
جاء ذلك خلال ندوة نظمت بمدينة الداخلة بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، خصصت لعرض التوجهات المرتبطة بهذا المشروع الضخم، الذي يُعدّ من أكبر الأوراش المهيكلة في الأقاليم الجنوبية ويندرج ضمن البرنامج التنموي الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2015.
وأبرزت المداخلات أن الوظيفة اللوجستية التقليدية للميناء قد تم تجاوزها لصالح “تصور مدمج”، يجعل من الداخلة مركزًا قارِّيًا لتثمين الطاقات النظيفة، وربطها بسلاسل القيمة الصناعية والتجارية على مستوى أوروبا وإفريقيا والأمريكتين.
وفي هذا الإطار، أوضح أحمد كثير، المدير بالنيابة للمركز الجهوي للاستثمار بجهة الداخلة–وادي الذهب، أن الميناء الأطلسي “لن يكون مجرد واجهة بحرية، بل منصة استراتيجية لتجميع وتخزين وتصدير مشتقات الهيدروجين الأخضر، تماشيا مع الطموح الوطني لتصدُّر السوق الدولية للطاقة المستدامة”.
وأضاف كثير أن المشروع سيوفر بنية تحتية متقدمة تمكّن من “تقليص كلفة الولوج إلى الأسواق الخارجية”، لا سيما عبر محور الداخلة–أوروبا، مؤكدًا أن هذا الخيار الطاقي يعكس “تحولًا عميقًا في تموضع الأقاليم الجنوبية داخل الخريطة الاقتصادية المغربية”.
من جهته، شدد بوشعيب قيري، المدير الجهوي للصناعة والتجارة، على أن هذا التطور سيخلق “نسيجًا اقتصاديًا جديدًا يتجاوز أنشطة الصيد التقليدية والمبادلات الموسمية”. وأكد قيري أن الميناء الأطلسي سيواكب بتهيئة مناطق صناعية مخصصة للطاقة النظيفة، بما يتيح استقطاب استثمارات نوعية في مجالات إنتاج الهيدروجين وتخزين الأمونياك ومعدات التوليد الطاقي.
وتوقف قيري عند البعد الترابي للمشروع، مبرزًا أن الربط بين الميناء والطريق السريع تيزنيت–الداخلة، سيمكن من “تكامل جهوي فعلي”، ويعيد تشكيل التوزيع المجالي للاستثمار، حيث تتحول الأقاليم الجنوبية إلى “مصدر للثروة، لا مجرد مجال لاستيعاب الدعم العمومي”.
كما أشار عدد من المتدخلين إلى أن مشروع الميناء، بطاقة شحن متوقعة تناهز 35 مليون طن سنويًا، يشكّل حلقة ضمن شبكة أطلسية أشمل، تمتد من ميناء الداخلة إلى محور الرباط–الدار البيضاء، فميناء الناظور غرب المتوسط، بما يعزز “قدرة المغرب على التفاوض الطاقي والتجاري انطلاقًا من موقع قوة”.
وفي صدى لذلك، اعتبر محمد أفنيش، المدير العام لغرفة التجارة والصناعة بمونبيليه، أن الداخلة تتجه لتصبح “قطبًا صاعدًا في الاقتصاد الأخضر”. وأوضح أن الميناء الأطلسي ينسجم مع تطلعات المستثمرين الأوروبيين في البحث عن “منصات إنتاج نظيفة وآمنة”، مضيفًا أن المشروع “يجسّد فعليًا التزام المغرب بتحقيق انتقال طاقي حقيقي، وليس فقط تبني شعارات بيئية”.
وخلصت الفعالية إلى أن ميناء الداخلة الأطلسي يشكل تتويجًا لرؤية استراتيجية تراهن على السيادة الطاقية والاندماج الإفريقي، ويجعل من جهة الداخلة–وادي الذهب منصة متعددة الوظائف، تمزج بين التجارة والطاقات المتجددة والصناعة والخدمات اللوجستية، في أفق يجعل من المغرب فاعلًا قارِّيًا محوريًا في الاقتصاد الأخضر العالمي.

