بعد سنوات من الترويج لمثالية “الانتقال الطاقي” في أوروبا، تجد العديد من الدول الأوروبية نفسها اليوم أمام مفارقة قاسية: فبينما ترتفع سقوف التصريحات الرسمية بخصوص الاستغناء النهائي عن الفحم والطاقة النووية، تكشف الأزمات المتتالية أن هذه الطموحات ما تزال، في كثير من جوانبها، رهينة الواقع.
أحدث هذه المفارقات ما شهدته إسبانيا خلال انقطاع شامل للكهرباء في أبريل 2025، حين اضطرت إلى الاستنجاد بالفحم المغربي والطاقة النووية الفرنسية لإعادة إنعاش شبكتها الوطنية.
ولم يدم الانقطاع ساعات طويلة، لكنه كان كافيا لإعادة طرح أسئلة جوهرية حول مدى جاهزية الدول الأوروبية للانتقال الكامل إلى مصادر طاقية متجددة.
فقد عجزت منظومة الطاقة النظيفة، التي لطالما قدمت كبديل مضمون، عن تأمين الحاجيات الطارئة، ما دفع إسبانيا إلى استيراد قرابة 900 ميغاواط من المغرب وقرابة 2000 ميغاواط من فرنسا. وبذلك، جاءت النجدة من مصدرين لطالما استبعدا من النقاشات البيئية الرسمية.
والمثير في الحادثة أن الحكومة الإسبانية، رغم هذا التدخل الخارجي الحاسم، لم تبد أي نية لمراجعة نهجها المعلن، بل جدد رئيسها بيدرو سانشيز التأكيد على أن مستقبل البلاد الطاقي يجب أن يكون نظيفا بالكامل، مستبعدا الطاقة النووية من مزيج المستقبل، ومفضلا التمسك بخطة إغلاق المفاعلات بشكل تدريجي انطلاقا من سنة 2027.
وفي المقابل، تسير فرنسا في اتجاه مختلف تماما. إذ تنظر إلى الطاقة النووية باعتبارها أداة استراتيجية لتحقيق الأمن الطاقي، وتستثمر في توسيع قدراتها النووية، بعدما تخلت منذ عام 2022 عن الحد القانوني لنسبة الطاقة النووية في المزيج الوطني.
ويعكس هذا التباين في الرؤى بين باريس ومدريد اختلافا أعمق في مقاربة مسألة الانتقال الطاقي بين البراغماتية السياسية والمثالية البيئية.
وبالنسبة لكثير من المحللين، فإن ما جرى في إسبانيا ليس حالة معزولة، بل مؤشر على صعوبة تحقيق تحول شامل في غياب بدائل مستقرة وفعالة. فالرياح والشمس، رغم دورهما المتزايد، يظلان مصدرين غير منتظمين، يصعب الاعتماد عليهما في حالات الطوارئ، ما يجعل من الطاقة التقليدية ضرورة آنية لا غنى عنها.
وفي هذا السياق، يبرز المغرب كلاعب إقليمي لافت. فإلى جانب دوره كمصدر مهم للطاقة المتجددة من خلال مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، لا يزال يعتمد على الفحم في تشغيل عدد من محطاته الإنتاجية، ما يمنحه هامشا لتوفير فائض قابل للتصدير، خصوصا عبر الربط الكهربائي مع إسبانيا. وهو ما جعله، في لحظة حرجة، عنصرا مفصليا في استقرار شبكة جاره الشمالي.
ويعكس هذا الدور المزدوج للمغرب ما يمكن تسميته ب”الانتقال الطاقي الواقعي”، الذي يوازن بين الضرورات البيئية والرهانات الاقتصادية والجيوسياسية. وهو نموذج قد يجد صداه مستقبلا لدى دول أخرى تبحث عن مزيج طاقي مرن، قادر على التكيف مع التحديات المناخية دون المجازفة بالأمن الطاقي.
وبينما تواصل الجهات الرسمية والمنظمات البيئية الترويج لهدف “الحياد الكربوني”، تكشف تطورات الأشهر الأخيرة أن الطريق إلى هذا الهدف سيكون أطول وأعقد مما يبدو في الخطابات.
فالانتقال لا يعني فقط بناء مزارع ريحية وألواح شمسية، بل يتطلب استثمارات ضخمة في التخزين، وفي أنظمة ذكية لتوزيع الطاقة، وفي إعادة هيكلة شاملة لسياسات الإنتاج والاستهلاك.
ومع اقتراب موعد الحظر التدريجي لبعض أنواع الوقود في أوروبا، يتزايد الجدل حول ما إذا كان من الحكمة الاستمرار في التضييق على مصادر تقليدية، دون توفير بدائل عملية متاحة للجميع. فالرهانات البيئية لا يمكن أن تنجح إذا ما تم عزلها عن منطق التأمين الطاقي، خاصة في قارة تواجه توترات جيوسياسية، وشتاءات أكثر قسوة، وموجات طلب مفاجئة.
وهكذا يفرض الواقع منطقه على الجميع، مذكرا بأن الانتقال الطاقي، لكي ينجح، يجب أن يكون تدريجيا، متعدد المسارات، ومستندا إلى رؤية براغماتية تعلي من شأن الاستقرار دون أن تتنازل عن أهداف الاستدامة.

