بدأ وقف لاطلاق النار بين ايران واسرائيل في الساعات الاولى من الثلاثاء، بعد نحو 12 يوما من التصعيد العسكري غير المسبوق بين الخصمين، لكن غياب اعلان رسمي من طهران بشأن التزامها بالاتفاق، ووقوع خروقات مباشرة عقب سريانه، يطرحان تساؤلات جدية حول صموده.
واعلنت الحكومة الاسرائيلية موافقتها على وقف لاطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة وقطر، موضحة ان الاتفاق دخل حيز التنفيذ عند الساعة الثانية فجرا بتوقيت القدس. واكدت في بيان مقتضب ان “اسرائيل ستوقف عملياتها العسكرية في هذه المرحلة، لكنها تحتفظ بحق الرد الكامل في حال وقوع اي هجوم جديد على اراضيها”.
في المقابل، نفت طهران ان تكون قد وافقت على اتفاق رسمي. وقال وزير الخارجية الايراني، عباس عراقجي، ان “لا اتفاق نهائيا او رسميا مع اي طرف”، مضيفا ان “ايران لا تنوي مواصلة الرد ما لم تهاجمها اسرائيل مجددا”. وتابع “متى توقفت الاعتداءات علينا، سنتوقف عن الرد”.
ولم يوقع الجانبان اي وثيقة مكتوبة، كما لم يعلن عن اجتماع مباشر او غير مباشر بينهما، ما يجعل من التهدئة المعلنة “تفاها ظرفيا” لا اكثر، بحسب دبلوماسيين غربيين تحدثوا لوكالة فرانس برس من نيويورك.
وبعيد بدء الهدنة، افاد الجيش الاسرائيلي برصد اطلاق صواريخ من الاراضي الايرانية باتجاه مناطق جنوب البلاد، ما دفع السلطات الى تعليق الرحلات الجوية في مطاري ايلات وبئر السبع مؤقتا، وتفعيل منظومة القبة الحديدية لاعتراض المقذوفات. ورفض متحدث باسم الجيش تاكيد ما اذا كانت الضربات الاخيرة ستؤدي الى انهيار التهدئة، مكتفيا بالقول “نرصد التطورات عن كثب”.
وتعود جذور التصعيد الاخير الى اتهامات اسرائيلية لطهران بتنسيق هجمات عبر مجموعات حليفة في سوريا والعراق ولبنان، قبل ان تتطور الامور الى ضربات مباشرة بين الجانبين، هي الاولى من نوعها بهذا الزخم منذ عقود. واستهدفت الصواريخ الايرانية منشآت عسكرية اسرائيلية في صحراء النقب ومحيط تل ابيب، في حين ردت اسرائيل بقصف مواقع داخل ايران، ابرزها منشآت في اصفهان وطهران.
ورغم تهدئة الخطاب مؤقتا، لا يزال قادة البلدين يتحدثون بلغة المواجهة. فقد صرح قائد الحرس الثوري الايراني، اللواء حسين سلامي، ان “اسرائيل تلقت جزءا بسيطا من قدراتنا، والرد الاكبر مؤجل”. بينما قال وزير الدفاع الاسرائيلي ان “اسرائيل لا تثق في نوايا طهران، ولن تقبل بوجود قواعد تهديد في محيطها الاقليمي”.
واثار النزاع مخاوف دولية من توسع رقعة الحرب في الشرق الاوسط، خصوصا بعد استهداف قاعدة العديد الجوية في قطر، والتي تضم قوات اميركية، بصواريخ يعتقد انها ايرانية. كما دفعت التوترات بعض الدول الخليجية الى رفع درجة الاستنفار، فيما دعت الامم المتحدة الى “وقف فوري وكامل” للاعمال العدائية، مشددة على اهمية خفض التصعيد لحماية المدنيين وتفادي الانزلاق الى حرب شاملة.
ويرى مراقبون ان غياب ضمانات دولية، وعدم وضوح شروط الهدنة، واستمرار الخطاب التصعيدي من الجانبين، كلها عوامل تهدد بانهيار وقف لاطلاق النار في اي لحظة. وبحسب الخبير في الشؤون الايرانية، دايفيد غولدبرغ، فان “ما نشهده ليس اتفاق سلام، بل لحظة توقف بين جولات قادمة من المواجهة المفتوحة”.
ولا يزال المشهد مفتوحا على جميع الاحتمالات، في ظل تساؤلات حول ما اذا كانت الولايات المتحدة قادرة على لعب دور الضامن الفعلي، خصوصا في ظل غياب اعتراف متبادل بين ايران واسرائيل، وتداخل ملفات اخرى مثل البرنامج النووي الايراني ودور حزب الله والميليشيات الاقليمية.
وفي الوقت الذي تتنفس فيه العواصم الاقليمية الصعداء، تبقى المنطقة رهينة لتوازن هش، قد ينهار مع اول ضربة عسكرية غير محسوبة، او اي حسابات خاطئة من احد الطرفين المتنازعين.

