وطن 24 من الرباط
أثار إعفاء الوزيرة المغربية ماديحة خيير، القيادية في حزب الاستقلال، بعد 48 ساعة فقط من تعيينها ضمن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، جدلا سياسيا بشأن خلفيات القرار، بعدما أعادت وثائق متداولة تتعلق بملف قضائي يعود إلى سنة 2004 طرح تساؤلات حول ماضي الوزيرة ومعايير اختيار أعضاء الحكومة الجديدة.
وجاء الإعفاء، الذي أعلن عنه الديوان الملكي اليوم الأحد، عقب تداول معطيات صحفية تتعلق بشبهات نصب واحتيال ومعاملات مالية بواسطة شيكات بنكية، إلى جانب شهادة طبية قديمة منسوبة إلى طبيب مختص في الأمراض النفسية والعقلية، قيل إنها ارتبطت بمسطرة قضائية سابقة.
ورغم التزام البلاغ الملكي الصمت بشأن الأسباب التفصيلية للإعفاء، أكدت الحكومة المغربية أن القرار جاء بناء على تقدير سياسي ومؤسساتي مشترك بين مكونات الأغلبية، في محاولة لاحتواء الجدل الذي رافق تعيين الوزيرة، قبل استكمال المسار الدستوري لتنصيب الحكومة الجديدة أمام البرلمان.
وكان الملك محمد السادس قد عين خيير، الجمعة الماضي، وزيرة منتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، ضمن التشكيلة الحكومية التي تقودها المنصوري، أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب.
لكن المسار الحكومي للوزيرة الاستقلالية انتهى بعد يومين، بعدما تقدمـت رئيسة الحكومة بطلب إعفائها، وهو ما وافق عليه الملك طبقا لأحكام الفصل 47 من الدستور.
ملف يعود إلى 2004
تعود خلفيات الجدل إلى وقائع أثارتها تقارير صحفية مغربية بشأن ملف قضائي قديم ارتبط باسم خيير، ويتعلق بمعاملات تجارية في الذهب وشيكات بنكية وشبهات نصب واحتيال.
وبحسب الروايات التي أعادت وسائل إعلام مغربية نشرها، فإن الملف يعود إلى سنة 2004، عندما ظهرت اتهامات تتعلق بمعاملات مع تجار للمجوهرات، وأداء مبالغ مالية بواسطة شيكات أثارت نزاعات وشكايات قضائية.
وتحدثت بعض التقارير عن متابعة خيير في القضية، بينما أشارت أخرى إلى صدور أحكام قضائية مرتبطة بها، دون أن تتوافر وثائق قضائية أصلية منشورة تسمح بالتحقق المستقل من جميع الوقائع أو تحديد المآل النهائي للملف.
غير أن العنصر الذي أعاد القضية إلى الواجهة تمثل في تداول شهادة طبية قديمة منسوبة إلى طبيب مختص في الأمراض النفسية والعقلية، تضمنت، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية، تقييما للحالة النفسية للمعنية بالأمر خلال تلك الفترة.
وأثار ظهور الوثيقة تساؤلات بشأن ظروف تحريرها، ومدى ارتباطها بالمتابعة القضائية، وما إذا كانت قد قدمت ضمن إجراءات القضية أو أثرت في مسارها القانوني.
ولم تتأكد بصورة مستقلة صحة الوثيقة المتداولة أو ظروف إصدارها، كما لم تتضح طبيعة القرارات القضائية التي انتهى إليها الملف، الأمر الذي يجعل ربط مضمونها بالمسؤولية القانونية للوزيرة السابقة رهينا بإظهار الوثائق الأصلية.
الحكومة تكشف خلفيات القرار
وفي أول توضيح رسمي بعد الإعفاء، قال سمير بلفقيه، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، الناطق الرسمي باسم الحكومة، إن التعاطي الاستعجالي مع ما صاحب تعيين خيير من تداول معطيات قضائية وطبية ذات طابع شخصي يندرج في إطار تحمل الحكومة مسؤوليتها.
وأوضح بلفقيه، في بلاغ، أن الحكومة تابعت موضوع تعيين الوزيرة، وأن قرار الإعفاء استند إلى “تقدير سياسي ومؤسساتي” تقاسمته مكونات الأغلبية الحكومية، التي جددت إرادتها المشتركة في إنجاح التجربة الحكومية وتركيز النقاش العمومي على البرنامج الحكومي وانتظارات المواطنين.
وأضاف أن سرعة التعامل مع الموضوع تعكس حرص الحكومة على توفير الظروف المناسبة لاستكمال مسار تشكيلها الدستوري عبر التنصيب البرلماني، قبل الشروع في تنفيذ برنامجها والوفاء بالتزاماتها.
ويمثل هذا التوضيح أول إقرار حكومي بوجود صلة بين الجدل الذي أعقب تعيين الوزيرة وقرار الإعفاء، دون أن يتضمن حكما بشأن صحة الاتهامات أو الوثائق المتداولة.
مسؤولية حزب الاستقلال
وانتقل الجدل السياسي، عقب صدور قرار الإعفاء، إلى حزب الاستقلال، أحد الأحزاب الأربعة المشكلة للأغلبية الحكومية، وسط تساؤلات بشأن مسؤولية قيادته، وعلى رأسها الأمين العام نزار بركة، في اقتراح خيير لتولي منصب وزاري.
وتركز الانتقادات على طبيعة إجراءات التدقيق التي تسبق ترشيح الشخصيات للمسؤوليات الحكومية، ومدى اطلاع الجهات المعنية على الوقائع القضائية السابقة التي يجري تداولها.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية بالنظر إلى أن خيير لم تكن شخصية جديدة على العمل السياسي أو المؤسساتي، إذ سبق لها تولي رئاسة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، فضلا عن مسؤوليات مهنية بالمكتب الوطني للمطارات وأكاديمية محمد السادس الدولية للطيران المدني.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر من حزب الاستقلال تشكيكه في صحة المعطيات المتعلقة بالوضعية النفسية للوزيرة، مؤكدا أن صحة الوثيقة المتداولة لم تثبت، وأنها، حتى بافتراض صحتها، تعود إلى 22 سنة مضت.
واعتبر المصدر أن المسؤوليات التي اضطلعت بها خيير خلال السنوات اللاحقة لا تسمح باستخلاص أحكام بشأن وضعها الصحي الحالي استنادا إلى معطيات قديمة وغير مؤكدة.
في المقابل، طالب معلقون وفاعلون سياسيون بفتح نقاش حول مسؤولية الأحزاب في اختيار مرشحيها للمناصب الحكومية، وحول مدى فعالية إجراءات التحقق من المسارات القانونية والمهنية للشخصيات المقترحة للاستوزار.
جدل بين المساءلة والخصوصية
وأثار تداول الشهادة الطبية انقساما في المواقف، بين من اعتبر أن من حق الرأي العام معرفة الخلفيات القانونية للشخصيات التي تتولى المسؤوليات الحكومية، ومن رأى أن نشر معطيات صحية شخصية تعود إلى أكثر من عقدين يطرح إشكالات تتعلق بالخصوصية وحق الأفراد في تجاوز وقائع ماضية.
واعتبر منتقدون أن النقاش ينبغي أن ينصب على حقيقة الملف القضائي ومآله القانوني، ومدى تأثير أي معطيات مثبتة في شروط تحمل المسؤولية العامة، بدلا من إصدار أحكام تتعلق بالأهلية الصحية اعتمادا على وثائق غير محققة.
كما أثار توقيت إعادة نشر الوثائق، بعد تعيين خيير مباشرة، تساؤلات بشأن الجهة التي تقف وراء تداولها والأسباب التي حالت دون إثارة الملف خلال مسارها البرلماني والحزبي السابق.
وبينما حسم قرار الإعفاء استمرار خيير في الحكومة، ترك عددا من الأسئلة دون إجابات، في مقدمتها حقيقة الوقائع القضائية التي أعيد نشرها، ومدى علم قيادة حزب الاستقلال بها، وما إذا كانت قد خضعت للفحص خلال المشاورات السابقة لتشكيل الحكومة.
وتواجه حكومة المنصوري بذلك أول اختبار سياسي بعد تعيينها يوم 16 أكتوبر الجاري، وقبل حصولها على ثقة البرلمان، في وقت تسعى فيه الأغلبية الرباعية إلى تقديم نفسها باعتبارها تحالفا قادرا على الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية.
ويضع الإعفاء المبكر معايير اختيار الوزراء ومسؤولية الأحزاب عن مرشحيها في صدارة النقاش السياسي

