على امتداد السياج الذي يفصل مدينة الفنيدق عن سبتة المحتلة، أعادت خراطيم المياه والتعزيزات الأمنية ومئات الشبان المنتشرين قرب الساحل مشهدا تعرفه العلاقات المغربية الإسبانية منذ سنوات، كلما تحولت الهجرة من تدفقات متفرقة إلى اندفاع جماعي يختبر الحدود والثقة بين البلدين.
وأحكمت القوات المغربية، الجمعة، مراقبة الطرق والشواطئ المحيطة بسبتة، فيما عززت إسبانيا انتشار الشرطة والجيش داخل المدينة، بعد موجة عبور غير مسبوقة خلفت 19 قتيلا على الأقل، وفق حصيلة أوردتها رويترز.
وكان التلفزيون الإسباني قد تحدث أولا عن دخول ما بين ألفين وثلاثة آلاف شخص، قبل أن تنشر إدارة الأمن القومي الإسبانية تقديرا يتجاوز 49 ألف شخص خلال 24 ساعة، نقلا عن وزارة الداخلية، ثم تحذف الرقم من موقعها من دون تفسير. وأظهر التباين صعوبة حصر الوافدين وسط عمليات عبور متزامنة برا وبحرا.
لكن الأزمة التي وضعت مراكز الاستقبال في سبتة تحت ضغط شديد لا تقتصر على إدارة تدفق بشري مفاجئ. فهي تعيد إلى السطح ملفا تحاول الرباط ومدريد إبقاءه بعيدا عن واجهة علاقاتهما، في ظل اختلافهما الجوهري بشأن وضع المدينة.
وتعتبر إسبانيا سبتة جزءا من أراضيها وحدودا خارجية للاتحاد الأوروبي، فيما يصفها المغرب بأنها مدينة محتلة، من دون أن يجعل المطالبة باستعادتها موضوعا دائما في الحوار الثنائي.
حدود بلا تسوية
وتقوم معادلة سبتة على تناقض ثابت. اذ ترفض الرباط الاعتراف بشرعية الوجود الإسباني في المدينة، لكنها تتعاون ميدانيا لمنع الهجرة غير النظامية وحماية منطقة حدودية ترتبط بالفنيدق وتطوان اقتصاديا واجتماعيا.
أما مدريد، فتشدد على السيادة الإسبانية، لكنها تدرك أن الأسوار والكاميرات والدوريات البحرية لا تكفي من دون انتشار أمني مغربي يبدأ على الطرق المؤدية إلى الفنيدق ويمتد إلى الشواطئ والغابات القريبة.
وأحبط المغرب 73 ألفا و640 محاولة للهجرة غير النظامية خلال 2025، وفكك أكثر من 300 شبكة للتهريب، كما أنقذ 13 ألفا و595 شخصا في البحر، بحسب بيانات وزارة الداخلية المغربية.
وتمنح هذه الأرقام الرباط حجة للرد على أصوات إسبانية تتهمها بالتراخي عند كل موجة عبور، إذ تؤكد السلطات المغربية أنها تتحمل بصورة يومية كلفة مراقبة مساحات واسعة ومنع محاولات لا تظهر في التغطيات الإعلامية.
غير أن الهجرة سبق أن كشفت هشاشة التعاون عندما تراجعت الثقة السياسية.
ففي ماي 2021، دخل آلاف الأشخاص إلى سبتة خلال يومين، بالتزامن مع أزمة دبلوماسية أعقبت استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج من دون إبلاغ المغرب.
واتهمت مدريد الرباط بتخفيف المراقبة على الحدود، بينما قالت السلطات المغربية إن الأزمة ترتبط بموقف إسبانيا من قضية الصحراء وبطريقة استقبال غالي، لا بملف الهجرة وحده.
وانتهى التوتر بعد إعلان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، في مارس 2022، دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء، لتبدأ مرحلة جديدة من التنسيق السياسي والأمني.
لكن موجة يوليوز 2026 أظهرت أن المصالحة لم تغلق ملف سبتة. فقد منعت البلدين من الانزلاق سريعا إلى مواجهة دبلوماسية، لكنها لم تزل أسباب الاحتكاك الكامنة خلف السياج.
مصالح تكبح الأزمة
وفي موازاة الخلاف حول سبتة، بنت الرباط ومدريد خلال السنوات الأخيرة شبكة مصالح اقتصادية جعلت القطيعة أكثر كلفة من أي وقت مضى.
وبلغت المبادلات التجارية بين البلدين 22,693 مليار أورو خلال 2024، وهو أعلى مستوى مسجل، فيما حافظت إسبانيا على موقعها أول شريك تجاري للمغرب، بصفتها موردا وزبونا في آن واحد.
ويعد المغرب ثالث وجهة للصادرات الإسبانية خارج الاتحاد الأوروبي، بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، كما تعمل آلاف الشركات الإسبانية في السوق المغربية أو تصدر إليها بانتظام.
وتتركز المبادلات في قطاعات السيارات ومكونات الطائرات والنسيج والصناعات الغذائية والطاقة والنقل، ضمن سلاسل إنتاج تجعل المصانع والموانئ على جانبي المضيق جزءا من دورة اقتصادية واحدة.
وفي القطاع الزراعي والغذائي وحده، بلغت الصادرات الإسبانية إلى المغرب 1,223 مليار أورو، بعدما تضاعفت منذ 2020، بحسب الحكومة الإسبانية.
كما وقع البلدان، خلال الاجتماع رفيع المستوى في مدريد في دجنبر 2025، 14 اتفاقا للتعاون شملت الاستثمار والنقل والتعليم والثقافة والحماية الاجتماعية والوقاية من الكوارث.
ويستعد المغرب وإسبانيا، إلى جانب البرتغال، لتنظيم كأس العالم 2030، وهو مشروع يضيف إلى العلاقات الثنائية ملفات واسعة تتعلق بالمطارات والسكك الحديدية والموانئ والسياحة والأمن.
وتفسر هذه المصالح سرعة عودة قنوات التنسيق إلى العمل عند كل أزمة. ففي الوقت الذي ترتفع فيه الانتقادات داخل البرلمان والإعلام الإسباني، يستمر الاتصال بين وزارات الداخلية والأجهزة الأمنية والسلطات المحلية لمنع تحول الضغط على سبتة إلى قطيعة سياسية.
كما تدرك مدريد أن استقرار حدودها الجنوبية يرتبط بالمغرب، بينما تدرك الرباط أن إسبانيا تمثل بوابتها التجارية الأولى نحو الاتحاد الأوروبي.
وتجعل هذه المعادلة الهجرة مصدر خدوش متكررة، لا سببا كافيا لهدم العلاقة.
ثقافة تتجاوز السياج
إلى جانب التجارة والأمن، ترتبط ضفتا المضيق بشبكة بشرية وثقافية لا تظهر عادة في أوقات الأزمات.
وبلغ عدد حاملي الجنسية المغربية المقيمين في إسبانيا 968 ألفا و999 شخصا في مطلع 2025، ما يجعلهم أكبر جالية أجنبية في البلاد، وفق المعهد الوطني الإسباني للإحصاء.
وترتبط هذه الجالية بالمغرب عبر الرحلات البحرية والجوية والتحويلات المالية والزيارات العائلية، فيما تتحول موانئ جنوب إسبانيا وشمال المغرب كل صيف إلى ممر لمئات آلاف الأسر خلال عملية “مرحبا”.
وتحتفظ اللغة الإسبانية بحضور واسع في شمال المغرب، خصوصا في طنجة وتطوان والعرائش والحسيمة والناظور، حيث تركت المرحلة الاستعمارية وعقود التبادل التجاري والهجرة أثرا لغويا وثقافيا مستمرا.
ويضم المغرب ثاني أكبر شبكة للمؤسسات التعليمية والثقافية الإسبانية خارج إسبانيا، وفق السفارة الإسبانية في الرباط، إلى جانب مراكز معهد ثربانتس ومدارس إسبانية تستقبل آلاف التلاميذ.
كما يتقاسم البلدان فضاء ثقافيا تمتد عناصره من الموسيقى الأندلسية إلى الأدب والترجمة والمهرجانات والتعاون الجامعي، بينما تحافظ مدن الشمال المغربي والأندلس على روابط تاريخية وعائلية تتجاوز الخطاب الرسمي.
غير أن هذه الكثافة لا تلغي الفارق العميق في النظرة إلى سبتة.
فبالنسبة إلى إسبانيا، تمثل المدينة خطا سياديا وحدودا أوروبية ينبغي حمايتها. أما بالنسبة إلى المغرب، فتبقى جزءا من إرث استعماري لم يغلق بعد.
وبين الموقفين، تتحول الهجرة في كل مرة إلى اختبار للعلاقة. يستخدم البلدان الأدوات الأمنية لوقف التدفق، ثم يعودان إلى حماية التجارة والاستثمارات والروابط البشرية، من دون الاقتراب من أصل الخلاف.
لهذا لا تقطع موجات الهجرة العلاقات المغربية الإسبانية، لكنها تترك عليها خدوشا مزمنة، وتذكر بأن الشراكة التي نجحت في إدارة المصالح والأزمات لم تجد بعد تسوية للسؤال الذي يبدأ عند سياج سبتة ولا ينتهي عنده.

