كما في كل مناسبة دينية كبرى، حرص الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، صباح الإثنين، على حضور صلاة عيد الفطر في واجهة رسمية مثقلة بالرموز، مرتديا البرنوس التقليدي، ومحاطا بكبار نظام العسكر، الذين ظهروا بدورهم بنفس اللباس، في مشهد بات مألوفا لدى الرأي العام، ويُعاد بثه على القنوات الرسمية ووكالة الأنباء الجزائرية بكثافة كل عام.
ولا تخلو الصورة، بتفاصيلها الدقيقة، من هندسة مدروسة. صفوف من المسؤولين يتقدّمهم الرئيس، الكل يرتدي البرنوس الأبيض، ونظرات موحّدة، وانحناءات محسوبة، وكأن اللحظة جزء من سيناريو معدّ سلفا لا يخلو من البعد المسرحي.
المشهد لا يتكرر فقط، بل يُعاد إنتاجه كل سنة بنفس العناصر، ليُغدو أقرب إلى طقس سياسي مُلبّس بلبوس ديني، يتوخى منه النظام ترسيخ صورة متماسكة لهوية رسمية تريد أن تُقدَّم كامتداد لـ”قيم الأمة”.
لكن خلف هذا الحرص الشكلي، يُجمع العديد من المراقبين أن السلطة الجزائرية، التي فشلت في بناء علاقة مؤسساتية متينة مع الحقل الديني منذ الاستقلال، وجدت في الرموز التراثية ملاذا لتعويض غياب المرجعية الروحية الجامعة.
ويبدو أن البرنوس، أكثر من مجرد لباس، أصبح في السياق الحالي أداة تُستدعى لتجميل واجهة السلطة، لا لتعزيز صلتها العميقة بالقيم التي تدّعي تمثيلها.
البُعد الرمزي للبرنوس في هذا السياق لا يمكن فصله عن محاولات النظام الجزائري الدؤوبة لإعادة إنتاج شرعية رمزية، في ظل تحولات سياسية داخلية أضعفت الثقة بالمؤسسات الرسمية، ووسط فراغ ثقافي وديني لم تُفلح خطابات الدولة في ملئه.
فمنذ سنوات، تتزايد مؤشرات الابتعاد بين الدولة والمجتمع، حيث تراجعت مكانة الأوقاف، وانحسر دور العلماء، وبات المجال الديني مفرغا من المبادرات المجتمعية، يُدار بقرارات إدارية أكثر مما يُوجَّه بقناعات شعبية.
في هذا الفراغ، يتقدّم البرنوس. لباس له جذوره في التقاليد المغاربية، يرتبط بالوقار والهيبة والاحتشام، غير أن استعماله السياسي الراهن في الجزائر، وفق محللين، يضعه في موقع غير مألوف: قطعة تُرتدى أمام الكاميرات، وتُطوى بعد انتهاء الطقس، دون أن تترك أثرا حقيقيا في وجدان الناس.
ووفق توصيف ساخر لأحد الصحافيين المغاربيين، “البرنوس في الجزائر لم يعد غطاء للبرد، بل غطاءً للعجز الرمزي”.
وتعيد هذه الصورة المتكررة طرح أسئلة مُلحّة حول كيفية توظيف الرمزية الدينية والتراثية في الخطاب الرسمي الجزائري، خاصة في ظل غياب مؤسسة دينية قائمة بذاتها، لها امتداد شعبي أو فقهـي.
ويرى خبراء في الحقل الديني المغاربي أن النظام الجزائري، بعد أن همّش طويلا كل مؤشرات التدين المؤسسي، يحاول اليوم ترميم صورته من خلال ممارسات شكلية، على رأسها الطقوس البروتوكولية المحيطة بالأعياد، حيث يُعاد تقديم رئيس الدولة كـ”وجه روحي” للدولة، ولو بالرمز.
في الجهة الأخرى من الحدود، تُمارَس الرمزية الدينية في المغرب ضمن نسق مؤسساتي مختلف. فإمارة المؤمنين ليست طقسا ظرفيا يُفعّل في المناسبات، بل إطار دستوري وثقافي راسخ، يُنظّم علاقة الدولة بالدين، ويؤطرها داخل سياق تاريخي متصل.
فالملك لا يظهر في كل صلاة، لكنه، حين يحضر، يفعل ذلك داخل منظومة رمزية متكاملة، تجد صداها في خطب الجمعة، والبيعة، ومؤسسة العلماء، وممارسات يومية لا تحتاج إلى تلميع بصري أو تكثيف إعلامي.
وبينما يُراكم المغرب بناء متواصلا في علاقته بالمقدس، يبدو أن الجزائر، في هذا الباب، لا تزال تتلمّس طريقها عبر استعارة رموز من الذاكرة الشعبية، دون قدرة على إدماجها في مشروع مؤسساتي حقيقي.
بل إن اعتماد السلطة على مشهد البرنوس الرئاسي، الذي يُعاد بنفس النمط، يعكس ما يعتبره البعض غيابا للخيال السياسي القادر على إبداع تقاليد جديدة، أو على الأقل تأويل رموز الماضي بشكل يلائم الحاضر.
والمفارقة أن النظام الذي لطالما قدّم نفسه كجمهوري، علماني التوجه، تجده اليوم يجنح، وإن بشكل محسوب، إلى بناء طقوس تقترب من الممارسة الملكية، وإن بصيغة مشوشة.
فحضور الرئيس بالبرنوس، وسط الحرس والنخبة، في مشهد منسّق بعناية، لا يختلف كثيرا، من حيث التوظيف، عن طقوس الموكب الملكي، مع فارق جوهري: في المغرب، الطقس امتداد لمؤسسة، أما في الجزائر، فهو محاولة بحث متأخرة عن غطاء رمزي لا تستند إليه بنية مستقرة.
وحتى داخل الجزائر، لا تمرّ هذه الصور دون تفاعل ساخر على المنصات الرقمية. إذ يرى جزء من المتابعين أن إعادة تدوير المشهد نفسه يُفقده أثره الرمزي، ويُحوّله إلى لقطات أرشيفية تُضاف إلى رصيد السلطة البصري دون أن تنجح في بناء معنى فعلي.
فالمواطن، المنهك يوميا بسؤال المعيشة والحرية والكرامة، لا يقنعه منظر رئيس بالبرنوس في مناسبة موسمية، بل ينتظر تحولا في السياسات، وفي علاقة الدولة بمواطنيها.
وعليه، فإن مشهد الرئيس الجزائري وهو يؤدي صلاة العيد بالبرنوس، لم يعد يثير الانطباع الذي تسعى إليه السلطة. بل صار، في كثير من الأوساط، تعبيراً عن أزمة رمزية لا تنفع معها محاولات التجميل، ولا يكفي فيها استدعاء التراث لتغطية هشاشة الحاضر.


