تواجه مؤسسة منتدى أصيلة تحديا غير مسبوق في سياق التحولات السياسية المتسارعة التي تعيشها المدينة، منذ رحيل الأمين العام للمؤسسة، محمد بن عيسى، الذي ظلّ لعقود يشكل حجر الزاوية في معادلة النفوذ الثقافي والسياسي المحلي.
ويبدو أن غياب هذه الركيزة الصلبة قد فتح الباب أمام أصوات معارضة ظلت على الهامش، لتعيد تشكيل خطابها بجرأة غير معهودة، كما يتضح من التصريحات الأخيرة التي أطلقها ناشط سياسي محسوب على تيار المعارضة.
ففي خرجة مثيرة، لوّح المستشار الجماعي السابق، الزبير بن سعدون، بما اعتُبر تهديدا مباشراً لموسم أصيلة الثقافي، موجهاً اتهامات لمسؤولي المؤسسة بـ”تسخير جرائدهم ومواقعهم الإلكترونية العفنة” لمهاجمته، في إشارة ضمنية إلى مقالات نقدية تناولت عودته إلى المشهد.
ولم يتردد بن سعدون في التصريح بأنه سيحضر افتتاح الموسم، ملمحا إلى نيته استثمار لحظة انطلاق الفعاليات للرد بطريقته الخاصة، وهي إشارة رمزية تكشف عن محاولة واضحة لإرباك تقاليد اشتغلت المؤسسة على تكريسها لسنوات.
ولا يُخفي مقربون من المؤسسة انزعاجهم من هذه التصريحات، التي وإن اتخذت طابعا شخصيا، إلا أنها تضرب في العمق صورة المنتدى، الذي لطالما اعتُبر واجهة ثقافية رصينة عابرة للتجاذبات المحلية، ومفتوحة على البعد الوطني والدولي، حيث تحظى دوراته بمشاركة أسماء وازنة في ميادين الفكر والفن والسياسة.
ويأتي هذا التحدي في وقت حرج بالنسبة للمؤسسة التي تستعد لتنظيم نسخة الموسم الثقافي لهذه السنة على ثلاث مراحل، خلال أشهر أبريل ويوليوز وأكتوبر، دون وجود محمد بن عيسى، الشخصية التي مثّلت لسنوات الضامن السياسي والإداري لتوازنات ظلت تشتغل بصمت وخلف الأضواء.
وقد كان الراحل يتمتع بحضور قوي في تدبير العلاقة بين المنتدى والمؤسسات المنتخبة، ما ضمن له هامشاً واسعا للحركة والمرونة في اتخاذ القرار بعيداً عن الضغوط.
غير أنه منذ وفاة الأمين العام السابق، تعيش أصيلة لحظة انتقالية معقّدة، لم تتضح فيها بعد ملامح التموقع الجديد لمختلف القوى السياسية والثقافية.
وفي ظل هذا الفراغ الرمزي، تبدو المؤسسة مطالبة بتدبير وضع حساس، بين استمرارية مشروع ثقافي عمره أكثر من أربعة عقود، وتغير المزاج السياسي داخل المجلس الجماعي، الذي لم يعد موحدا في دعمه لها كما كان في السابق، خصوصاً بعد المفاجآت التي رافقت تشكيل المكتب الجماعي الجديد، عقب فوز طارق غيلان بالرئاسة.
ويخشى مراقبون من أن تؤدي التوترات المتصاعدة بين بعض مكونات المجلس الجماعي الحالي وأطراف قريبة من المؤسسة، إلى إعادة النظر في طريقة تدبير العلاقة بين الجماعة والمنتدى، خصوصا في ما يتعلق بالدعم المالي واللوجستي الذي ظل موضوع انتقاد في بعض الدوائر السياسية.
ويعتبر الكثيرون أن ما صدر عن بن سعدون، رغم طابعه الشخصي واللغوي الحاد، يعكس دينامية جديدة في المدينة، بات فيها الخطاب النقدي موجهاً إلى رموز كانت إلى وقت قريب في مأمن من أي انتقاد علني.
كما أن تصعيده ضد المنتدى يثير أسئلة حول قابلية المؤسسة لمواجهة انتقادات علنية بعد سنوات من العمل في ظل “حصانة رمزية” كانت توفرها مكانة بن عيسى داخل المدينة وخارجها.
وقد سبق للمنتدى أن تعرض لموجات انتقاد سابقة، لكنها لم تكن بنفس الحدة التي باتت تسم خطاب المعارضين الجدد-القدامى، الذين يرون في الموسم الثقافي واجهة لتمرير أجندات ناعمة تخدم مصالح ضيقة، وهو ما تنفيه المؤسسة في كل مناسبة، مؤكدة أن نشاطها الثقافي مستقل عن أي حسابات سياسية.
وفي ظل هذه المستجدات، يبدو أن التحدي الأكبر بالنسبة للمؤسسة لا يكمن فقط في تنظيم موسم ثقافي ناجح، بل في قدرتها على الحفاظ على مشروعها في بيئة سياسية متقلبة، تُعيد فيها التحالفات ترتيب أولوياتها، وتخضع فيها التوازنات لمنطق التموقع والمصالح.
ويرى متتبعون أن المرحلة المقبلة قد تفرض على المؤسسة أسلوبا جديدا في تدبير علاقتها مع محيطها، قوامه الشفافية والانفتاح وإعادة بناء جسور الثقة مع شركائها المؤسساتيين، وعلى رأسهم الجماعة الترابية، التي تُعد شريكاً أساسياً في إنجاح الموسم.
كما قد يكون من المفيد، في هذا السياق، التفكير في تأطير العلاقة عبر اتفاقيات واضحة، تحسم في الالتزامات المتبادلة، وتُخرج الدعم العمومي من منطقة التأويل والاتهام، وتضع المنتدى في موقع الفاعل المؤسساتي الخاضع للمساءلة لا الحامل لـ”امتيازات تاريخية”.
ويُرتقب أن تحظى الدورة المقبلة من موسم أصيلة بمتابعة دقيقة، ليس فقط على المستوى الثقافي والفني، وإنما أيضاً من زاوية انعكاساتها على علاقة المؤسسة بمحيطها السياسي والاجتماعي، في ظل مشهد محلي يُعاد تشكيله على إيقاع غياب الزعيم، وعودة المعارض، وجرأة النقد المفتوح.

