بينما تعيد الولايات المتحدة ضبط علاقتها التجارية مع الصين من خلال حزمة رسوم جمركية جديدة تستهدف عشرات المليارات من الدولارات من الواردات، يتابع المغرب بقدر عالٍ من التيقظ تداعيات هذا التحوّل الجيو-اقتصادي، وسط مخاوف من أن تتحول أسواق بديلة، من ضمنها المملكة، إلى منصات غير مباشرة لتدفقات تجارية صينية تسعى للالتفاف على القيود الأمريكية.
وقد سلّط تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الضوء على هذه المخاوف، ناقلا عن رئيس جمعية المصدرين المغاربة، حسن سنتيسي، وصفه للخطوة الأمريكية بأنها “مفاجأة غير سارة”، في إشارة إلى أن المغرب كان يأمل في استمرار علاقاته التجارية مع واشنطن بمنأى عن تداعيات الصراع التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم.
ويمتلك المغرب اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة دخلت حيز التنفيذ في 2006، وتُعد من بين أكثر الاتفاقيات شمولا في المنطقة، حيث تتيح امتيازات جمركية واسعة النطاق وتغطي قطاعات متعددة.
وفي ظل هذه الاتفاقية، تخضع السلع المصدّرة من المغرب إلى الولايات المتحدة لشروط صارمة تتعلق بنسبة الإدماج المحلي وقواعد المنشأ، ما يقلل نظريا من فرص تمرير بضائع صينية عبر التراب المغربي، لكن مراقبين لا يستبعدون محاولات محتملة من قبل بعض الفاعلين التجاريين لاستغلال هوامش تقنية في هذه المنظومة.
وبينما تشكّل هذه التطورات تحديا للرباط، فإنها تندرج أيضا ضمن فرصة استراتيجية أوسع. فالمغرب، الذي يعزز حضوره الإقليمي كمركز صناعي ولوجستي متقدم، يشهد تصاعدا في الاستثمارات الصينية خلال السنوات الأخيرة، تشمل قطاعات الطاقة النظيفة، النقل، وتجميع السيارات.
ومن أبرز هذه المشاريع مصنع بطاريات السيارات الكهربائية بمدينة القنيطرة، الذي تم الإعلان عنه سنة 2023 بشراكة مع مجموعة صينية، في ما يُعد نموذجا لتحول المملكة إلى قاعدة إنتاج موجهة نحو التصدير.
غير أن هذا الصعود الصناعي يرافقه إدراك متزايد لمخاطر “العبور التجاري غير المتوازن”، خصوصا في سياق دولي يتّسم بإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتكثيف الدول الغربية لمراقبة تدفقات التجارة المرتبطة بالصين.
وقد سبق للاتحاد الأوروبي أن أعرب، في تقارير سابقة، عن تخوّفه من استخدام دول شريكة كمنصات غير مباشرة لتجاوز قواعد المنشأ في اتفاقياته التجارية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المنظومة المغربية للمراقبة الجمركية، والتي تعتمد على تقنيات متقدمة في تتبع مسارات البضائع وتدقيق شهادات المنشأ.
كما يُتوقع أن تفتح وزارة الصناعة والتجارة المغربية مشاورات مع الشركاء الأوروبيين والأمريكيين لمراجعة بعض آليات التحقق التجاري، بما يضمن الشفافية ويعزز من موثوقية المغرب كشريك تجاري مسؤول.
ويراهن المغرب، في هذا الإطار، على توازن دقيق بين تعزيز مكانته في خارطة التجارة الدولية من جهة، وضمان حماية نسيجه الإنتاجي المحلي من أي منافسة غير عادلة من جهة أخرى. ويبدو أن المملكة، المنفتحة على شراكات آسيوية متقدمة، تظل في الوقت ذاته حريصة على احترام قواعد اللعب التجاري النزيه مع شركائها الغربيين، خصوصا في ظرفية تتسم بتقلبات جيوسياسية وتجارية غير مسبوقة.
وفيما تتجه بكين إلى توسيع نفوذها الاقتصادي في مناطق على هامش أوروبا والولايات المتحدة، يواصل المغرب تثبيت موقعه كممر تجاري مستقر، لكن وفق شروط تضع السيادة الاقتصادية وحماية المصالح الوطنية في صلب أولوياته.

